أحمد بن محمود السيواسي
143
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
[ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 8 ] وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ ( 8 ) ( وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ ) جمع أمانة وقرئ بها « 1 » ، وهي كل ما يؤتمن عليه كأموال وأسرار ( وَعَهْدِهِمْ ) وهو المعاهد عليه من جهة اللّه أو من جهة الخلق ( راعُونَ ) [ 8 ] أي حافظون من الخيانة وبالوفاء ، قيل : الراعي هو القائم على الشيء بحفظ وإصلاح « 2 » ، وأمانة السر أولى بالحفظ . [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 9 ] وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ ( 9 ) ( وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ ) وقرئ بالجمع « 3 » ( يُحافِظُونَ ) [ 9 ] أي يداومون برعاية أوقاتها وباتمامها من غير سهو عنها ، والمراد من الصلاة : هو المفروضة والنوافل الراتبة وأصحابها الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر اللّه ، وكررت لأنها أعظم العبادات بعد الإيمان . [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 10 إلى 11 ] أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ ( 10 ) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 11 ) ثم بين ثوابهم فقال ( أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ ) [ 10 ] أي ( الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ ) أي منازل الكفار من الجنة ، لأن لكل واحد من المؤمن والكافر منزلين ، منزل في الجنة ومنزل في النار ، فالمؤمن يرث منزل الكافر من الجنة والكافر يرث منزل المؤمن من النار ، و « الْفِرْدَوْسَ » هو البستان الواسع الجامع لأصناف الثمر بناؤه لبنة من ذهب ولبنة من فضة وجعل خلالها المسك الأذفر ، قيل : لم يكن أحد من أهل الجنة إلا وله نصيب في الفردوس « 4 » ، لأن فيه بساتين كثيرة وأشجارا كثيرة عليها حيطان ( هُمْ فِيها ) أي في الفردوس ، وأنثه بتأويل الجنة ( خالِدُونَ ) [ 11 ] لا يخرجون عنها . [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 12 ] وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ( 12 ) ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ ) أي آدم ( مِنْ سُلالَةٍ ) أي خلاصة سلت « مِنْ » لابتداء الغاية ، أي أخذت من بين الكدر من جميع الأرض ، فقوله ( مِنْ طِينٍ ) [ 12 ] بيان ل « سُلالَةٍ » ، والسلالة : الماء الذي انسل من بين الأصابع إذا عصر الطين ، وقيل : « الإنسان ابن آدم ، لأنه من نطفة سلت من طين ، والطين هو آدم » « 5 » ، فقوله « مِنْ طِينٍ » صفة ل « سُلالَةٍ » و « مِنْ » للابتداء . [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 13 ] ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ( 13 ) ( ثُمَّ جَعَلْناهُ ) أي ابن آدم ( نُطْفَةً ) يعني جعل اللّه جوهر الإنسان أولا طينا ثم جعل جوهره نطفة ( فِي قَرارٍ مَكِينٍ ) [ 13 ] أي في مستقر مكنت فيه هي وهو الرحم ، أي أحرزت . [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 14 ] ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ( 14 ) ( ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً ) أي حولناها قطعة دم ( فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً ) أي حولناها مضغة لحم ( فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ) ف « خلقنا » هنا بمعنى صيرنا ، ولذلك عدي إلى مفعولين ، واتيان الفاء في المواضع الثلاثة لكون الأول سببا للثاني فيترتب ترتب السبب على المسبب ، فأفاد معنى التعقيب فيها ( ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ ) أي حيوانا بنفخ الروح فيه بعد الجماد وناطقا بعد البكم وسميعا بعد الصمم وبصيرا بعد كونه أكمه ( فَتَبارَكَ اللَّهُ ) أي تعاظم وتعالى عن الشريك ( أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ) [ 14 ] أحسن المقدرين تقديرا وتفصيلا ، والمراد
--> ( 1 ) « لأماناتهم » : قرأ المكي بغير ألف بعد النون على الإفراد ، والباقون بالألف على الجمع . البدور الزاهرة ، 217 . ( 2 ) أخذه عن الكشاف ، 4 / 95 . ( 3 ) « صلواتهم » : قرأ الأخوان وخلف بغير واو بعد اللام على التوحيد ، وغيرهم بواو بعدها على الجمع . البدور الزاهرة ، 217 . ( 4 ) ولم أجد له أصلا في المصادر التفسيرية التي راجعتها . ( 5 ) عن الكلبي ، انظر السمرقندي ، 2 / 409 .